القرطبي

83

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

قوله تعالى : ( لم نجعل له من قبل سميا ) أي لم نسم أحدا قبل يحيى بهذا الاسم ، قاله ابن عباس وقتادة وابن أسلم والسدي . ومن عليه تعالى بأن لم يكل تسميته إلى الأبوين . وقال مجاهد وغيره : " سميا " معناه مثلا ونظيرا ، وهو مثل قوله تعالى : " هل تعلم له سميا " ( 1 ) [ مريم : 65 ] معناه مثلا ونظيرا [ وهذا ] ( 2 ) كأنه من المساماة والسمو ، هذا فيه بعد ، لأنه لا يفضل على إبراهيم وموسى ، اللهم إلا أن يفضل في خاص كالسؤدد والحصر حسب ما تقدم بيانه " في آل عمران " ( 3 ) . وقال ابن عباس أيضا : معناه لم تلد العواقر مثله ولدا . وقيل : إن الله تعالى اشترط القبل ، لأنه أراد أن يخلق بعده أفضل منه وهو محمد صلى الله عليه وسلم . وفي هذه الآية دليل وشاهد على أن الأسامي السنع ( 4 ) جديرة بالأثرة ، وإياها كانت العرب تنتحي في التسمية لكونها أنبه وأنزه عن النبز حتى قال قائل : سنع الأسامي مسبلي أزر * حمر تمس الأرض بالهدب وقال رؤبة للنسابة البكري وقد سأله عن نسبه : أنا ابن العجاج ، فقال : قصرت وعرفت . قوله تعالى : ( قال رب أنى يكون لي غلام ) ليس على معنى الانكار لما أخبر الله تعالى به ، بل على سبيل التعجب من قدرة الله تعالى أن يخرج ولدا من امرأة عاقر وشيخ كبير . وقيل : غير هذا مما تقدم في " آل عمران " ( 3 ) بيانه . ( وقد بلغت من الكبر عتيا ) يعني النهاية في الكبر واليبس والجفاف ، ومثله العسي ، قال الأصمعي : عسا الشئ يعسو عسوا وعساء ممدود أي يبس وصلب ، وقد عسا الشيخ يعسو عسيا ولى وكبر مثل عتا ، يقال : عتا الشيخ يعتو عتيا وعتيا كبر وولى ، وعتوت يا فلان تعتو عتوا وعتيا . والأصل عتو لأنه من ذوات الواو ، فأبدلوا من الواو ياء ، لأنها أختها وهي أخف منها ، والآيات على الياءات . ومن قال : " عتيا " كره الضمة مع الكسرة والياء ، وقال الشاعر : إنما يعذر الوليد ولا يعذر * من كان في الزمان عتيا

--> ( 1 ) راجع ص 130 من هذا الجزء . ( 2 ) من ج وك . ( 3 ) راجع ج 4 ص 74 وص 79 . ( 4 ) الجميلة .